وكالة أنباء الأدب العربــــــــــــى

اللهُ نقيٌ جدًا ؛ لكن القلوبَ المغلقةَ لا تري البياضَ

           نص جديد لـــــ/ شعيب خلف 

الرمادُ يعرفُ النارَ جيدًا، هي أمهُ الحيةُ ، يغطيها بجناحيهِ ، ويظللُها في الظهيرةِ حين تغفو، وفي الليلِ ينسجُ لها دثارًا من ريشِ الفتنةِ ،ثم يتركُها حرةً كخفاشٍ بصيرٍ ، الجالسون في الحجرات ِالمضيئةِ لا يعرفون الخفافيشَ ، ولا يعرفون الليلَ ، ولا يعرفون الناسَ المترنحينَ في أركانِ الحجرةِ معصوبي العينين ..... أما الجالسون في الحجراتِ المظلمةِ ، يرون العتمةَ تتسللُ داخلَ أحداقِهم دونَ استئذانٍ ، تعرض نفسَها علي المارة ، في كلِ مرة تغير وجهَها تحتَ الأرضِ ، لتعطيَ الشياطين فرصةً للعبِ في باطنِ قدميها .

 

النارُ زوجةٌ ثانيةٌ ، تخنسُ في الحجرةِ المقابلةِ للقلبِ ، توزعُ المرايا القاتمةَ علي العميان ، حينَ ينظرون فيها ، يسيحُ السوادُ من فوقِ أغطيةِ الظلِ ، فتقومُ القيامةُ دونَ أن تطوي السماءُ كطيِ السجلِ ، لكن البيوتَ تطوي علي ناسِها الطيبين ، فتهللُ أجولةُ الجهلِ ، وتُكَّبرُ في دوراتِ المياهِ المحيطةِ  .

 

من يرسمُ الضوءَ علي عتمةِ القمرِ المسروقِ، ليعودَ الابنُ الضالُ  لبرجِه الأليفِ ، ومن يبني المآذنَ التي سقطتْ جراءَ زلازل الصمتِ اليومي ، دونَ أن يعيها المارةُ المارقون ، فيبتعدون عنها عمدًا ، ومن يدقْ الجرسَ في ميعادِه ، فلا ينامُ الحيارى فوقَ المساميرِ الحيةِ في آسرةِ الأكفانِ ، يا سادتي اللهُ نقيٌ جدًا ، لكن المآقي المغلقةَ لا تري البياض .

 

الشوارعُ تعجُ برائحةِ الكُرْهِ ، فينزعجُ الندي ، ويغيرُ النسيمُ مسارَه ، فتسقطُ أجنحةُ الملائكةِ في الوحلِ ، وتفتح الريحُ فمًا بفمٍ أمامَ عواءِ الكلابِ ، فلا فائدةَ إذًا حين نرمي الورودَ من النوافذِ ، أو نسقطُ البرتقالَ من فوقِ السطوحِ ، أو نجلسُ سويًا علي مائدةٍ من الثلجِ ما تلبث أن تسيحَ في نهايةِ اللقاءِ الثقيلِ .

 

حين أغسلُ وجهيَ كلَ مرةٍ من رؤيةِ الشارعِ ، أفقدُ بعضَ ملامحي ، وحين أصطحبُ يدي كلَ ليلةٍ في طريقِ النومِ ، أراها في أحلامي تصفقُ دونَ حاجةٍ ، ثم تصافحُني في نهايةِ المشهدِ وتبتسمُ ، وأنا أَعُد أنفاسي واحدًا واحدًا مخافةً أن أنسَ إحداها فيضيقُ صدري ، فتبتلعني غيمةٌ غيرُ مطيرةٍ  ، فتفرحُ سحبُ الصيفِ ، لأنني سألبَْثُ في بطنِها حتى يجيءَ الشتاءُ 

المسافرُ .

المساكينُ يرفون ثيابَهم في جلودِهم ، فينمو الحياءُ فوقَ تاريخِ السلالاتِ المنسيةِ ، ويموت الجوعُ في عيونِ المترفين ، أمررُ يدي فوقَ شعرِ الخجل المصاحبِ ليظلَ صديقي ، وأكسّرُ في العيونِ الوقحةِ مراياهَا ، الجسدُ لوحةٌ مقدسةٌ ، لذا ستجدُ علي جميعِ حوائطِ الأديانِ نسخًا أصليةً معلقةً ، يجهلها الزوارُ في جميعِ أيامِ العرضِ ، دونَ أن تنزلَ عليها ستارةُ الغبارِ . 

الفقاعي 27مايو 2016



التعليقات

إضافة تعليق